جلال الدين السيوطي

107

الأشباه والنظائر في النحو

سيف ؟ وهل يقولون : فلان قويّ على فلان بماله أو بسيفه أو برمحه ؟ وهل عندك أنّ قول اللّه عزّ وجلّ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] ، أنّه أراد به الراحلة والزاد دون صحة بدنه أو أراد به صحة بدنه والزاد والراحلة ؟ وأفتنا في معنى قوله اللّه عزّ وجلّ : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [ الأنفال : 60 ] ، هل القوة ورباط الخيل ممّا استطاعوه أو غير ذلك ؟ وإن حضرك - أيّدك اللّه - شواهد من الشعر أو من مطلق كلام العرب بيّنت ذلك لنا وأتبعته مسؤولا بذكر ما قيل : إنّ العرب لم تعرف شيئا من حقائق الأعراض ، وهل جائز عليهم أن يسموا شيئا لا يعرفون حقيقته أم لا ؟ ومننت به علينا إن شاء اللّه تعالى ، وأطال اللّه بقاءك وأدام عزك وتأييدك ، وأيد أهل الأدب بك وحرس نعمته عليك ومواهبه لديك . فأجابه أبو بكر بن دريد : وقفت أدام اللّه عزك على متضمّن كتابك ، فأما المسألة الأولى فقد بينتها في أول كتاب الاشتقاق ، وهي قول من زعم من أهل الجدل أن العرب تسمّت بأسماء تأدّت إليها صورها ، ولم تعرف العرب حقائقها ، وإنّما تعلّق هؤلاء الزاعمون بما ذكره اللّيث بن المظفر في ( كتاب العين ) عن الخليل أنّه سأل أبا الدّقيش « 1 » ما الدّقش ؟ فقال : لا أدري ، إنّما هي أسماء نسميها لا نعرف معناها ، وهذا جهل من اللّيث وادّعاء على الخليل ، وذلك أنّ العرب قد سمّت دقشا ثم حقّروه فقالوا : دقيش ، ثم صرّفوه من فعل إلى فنعل فسمّوا دنقشا وكل هذه أسماء ، فلو لم يكن للدّقش أصل في كلامهم ولم يقفوا على حقيقته لم يجيئوا به مكبّرا ومحقّرا ومصرّفا من فعل إلى فنعل ، والدّقيش طائر أغيبر أريقط معروف عندهم ، قال غلام من العرب ، أنشده يونس ومكوزة : [ الرجز ] « 413 » - يا أمّتاه واخصبي العشيّه * قد صدت دقشين وسندريّه وليس قول الليث مقبولا على أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد نضّر اللّه وجهه ، والدليل على ذلك تخليط الليث في كتاب العين واحتجاجه بالأشعار الضعيفة ، ثم بأشعار المولدين نحو أبي الشّمقمق ومن أشبهه . وأما قولك أيّدك اللّه : أيجوز عندي أن توقع العرب اسما على ما لا معنى له ؟

--> ( 1 ) أبو الدقيش القناني الغنوي ، وذكره ابن النديم بالسين المهملة . ( انظر الفهرست ص 76 ) . وهو أحد فصحاء الأعراب . ( 413 ) - الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( دقش ) ، وتاج العروس ( دقش ) ، والتنبيه والإيضاح ( 2 / 318 ) .